سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

73

رسائل في الفلسفة والعرفان

واردةقد تبيّن : أن الحق فيّاض مطلق ينزّل كلّ شيء ، منزلته التي تنبغي أن يكون عليها في ذاته ، ولما أوجد هذا النوع الإنساني جعل فيه إدراكات وأخلاقاً على حسب لوازم فيه وآلات تقتضي ذلك بحسب النوع ، ثمّ إنّ الآلات الجزئية تقتضي الاختلاف في الاقتضاء على حسب اختلافها في الأشخاص بالعوارض الطارئة [ 1 ] على الحقائق الناشئة عن الأسباب الجزئية في هذا العالم ، فكان اللازم على اختلاف الأخلاق وتباين الآراء - على حسب ما تقتضيه تلك المراتب الشخصيّة - أن يأخذ كلّ طرفاً غير الذي يأخذه الآخر [ 2 ] ، و ( كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه ) ومن مقتضيات هذا التنافر أن يترتّب عليه النزاع ؛ إذ يناقض البعض البعض الآخر في قصده ، ويذوده عمّا هو بصدده ، فيلزم تغلّب البعض وقهره للبعض الآخر وهو منشأ الفساد والفتن ؛ لوقوع العداوة بينهم بذلك ، فنشأ عنها المحاربات والمقاتلات التي ينشأ عنها فناء هذا النوع ، ثمّ الاستغراق في عالم الحسّ الذي هو مقتضي رتبة هذا العالم ، يستلزم الغفلة عمّا يؤول إليه أمره بعد مفارقته هذا العالم ، فيبوء بظلمة الجهل وضيق كدرة الأخلاق ورذائل الأعمال ، كلّ ذلك على حسب ما تقتضيه مراتب الوجود في هذا العالم الطبيعي . ولما أمدّهم الحقّ بما فيه إصلاح أبدانهم من جميع لوازم تعيّناتهم ، وبما فيه بقاء هذا النوع من الاستيلاد ، لزم أن يمدّهم من جوده وفيضه بما يكون سبباً في تربية عقولهم وتزكية نفوسهم ، وطبيباً لبواطن أمراضهم ؛ بأن يبعث فيهم منهم ذا نفس قدسيّة مطهّرة عن جميع شوائب الغفلة ، منكشفة لها الأسرار والحقائق على وفق

--> [ 1 ] في المخطوطة : « الطائرة » . [ 2 ] في المخطوطة : « يأخذ من الآخر » .